محمد محمد أبو موسى

180

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

الْآخِرِ » « 177 » إلى آخر الآيات . وقوله تعالى : « وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً » « 178 » . وقد حلل كل هذا تحليلا دقيقا وبصيرا بين فيه الروابط الخفية بينها ، وهو في هذا بصير كل البصر بأحوال المعاني ومناسبات بعضها لبعض وما بينها من التفاوت في القوة والوكادة ، فقوله : « كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً » أبلغ في الدلالة على عدم الإفادة من قوله : « كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها » وقوله : « لا يُؤْمِنُونَ » تأكيد لقوله : « سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ » ، وقوله : « خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ » تأكيد ثان أبلغ من الأول ، وقوله : « إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ » هو قوله : « إِنَّا مَعَكُمْ » أي لم نترك اليهودية . وإذا كان ارتباط المعنى بما قبله يحتمل وجوها أشار إليها الجرجاني كما في قوله تعالى : « ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ » « 179 » وذلك أن قوله : « إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ » مشابك لقوله : « ما هذا بَشَراً » وداخل في ضمنه من ثلاثة أوجه « وجهان هو فيهما شبيه بالتأكيد ووجه هو فيه شبيه بالصفة ، فأحد وجهي كونه شبيها بالتأكيد : هو أنه إذا كان ملكا لم يكن بشرا وإذا كان كذلك كان اثبات كونه ملكا تحقيقا لا محالة وتأكيدا لنفى أن يكون بشرا ، والوجه الثاني : أن الجاري في العرف والعادة أنه إذا قيل : ما هذا بشرا ، وما هذا بآدمى ، والحال حال تعظيم وتعجب مما يشاهد في الانسان من حسن خلق أو خلق أن يكون الغرض والمراد من الكلام أن يقال : انه ملك وأن يكنى به عن ذلك حتى أنه يكون مفهوم اللفظ ، وإذا كان مفهوما من اللفظ قبل أن يذكر كان ذكره إذا ذكر تأكيدا لا محالة لأن حد التأكيد أن تحقق باللفظ معنى قد فهم من لفظ آخر قد سبق منك ، أفلا ترى أنه انما كان « كلهم » في قولك : جاءني القوم كلهم ، تأكيدا من حيث كان الذي فهم منه الشمول قد فهم

--> ( 177 ) البقرة : 8 ( 178 ) لقمان : 7 ( 179 ) يوسف : 31